
مقهى جرجيس وعمر السرياني
52.5 ر.س
الحق عليه باقي 3 فقط - اطلبه الآن
“هو لا يعرف الكثير عن بداية حياته. عن أبيه وأمه وأخوته. ولكنه يعرف الكثير عن الحكاية الكبرى. عن أهله السريان الذين اختفوا. عن طور عابدين وأزخ ومديات وماردين. عن الوديان والجبال. عن القرى والمدن التي هُدمت. عن الأديرة التي أحرقت. عن الكهوف التي حُشر فيها الهاربون فاختنقوا. عن الآبار التي رمي فيها الناس فتكدست أجسادهم فوق بعض. عن الذبح والحرق والغرق والهتك.
حكايته هي حكايتهم. هو صندوق صغير في قلب صندوق ضخم. صندوق تاريخهم وأوجاعهم، صندوق بياراتهم ونبيذهم وبيوتهم التي حملوها معهم، في قلوبهم، وانحدروا بها هابطين من الجبال.
الناجون فرّوا. هربوا في الاتجاهات. حملوا الزيتون وكروم العنب والأناجيل والأسفار المخطوطة بحروف سريانية منمقة. حملوا التراتيل والأناشيد والأغاني والرقصات والدبكات. نزلوا. ساروا مع الأنهار النازلة من الشمال إلى الجنوب. الفرات والخابور وجغجغ والخنزير. شبكوا أيدهم بأيدي الطرق وعبروا دارا وسروج ونصيبين وأقاموا خيمة عمرهم هنا في الحاشية السفلى من أرضهم.
ترتعش يداه. تغيب عيناه في ضباب الذاكرة. يرفع يده إلى حاجبيه، يشدهما. يشحذ عينيه ويبدو كمن استفاق من غيبوبة. يرفع سبابته ليزيح قطرات من العرق ملأت جفنيه.
أهي قطرات عرق أم دموع؟ أهو يبكي؟
بدا كما لو أنه مضى بعيداً. صمت. صمتاً طويلاً، عميقاً، ثم تنهد. رفع عينيه. حدق في وجوهنا وقال:
من أين أبدأ الحكاية؟”
ننشر الكتب التي نتمنّى لو أننا من كتبها
