بين الحسناء الهاشمية التي رآها العباس بن الأحنف ذات غداة: «تَهَادَى حوالَيها مِن العِينِ ربْربُ»، والحسناء الإسبانية التي جاورتْ عمر أبو ريشة (في طائرة)، فأسرتْه بمنطقٍ: «نَثَر الطِّيبَ يميناً وشمالا» تمتد مسافة شاهقة لحكاية الشعر مع الحدث المتخيَّل، مع الماضي المولود من رحِم المستقبل، مع الواقع؛ لا كما وقع بالضرورة، بل كما ينبغي أن يُروَى ويُصوَّر.وحين يعترف جاسم الصحيح بأنه: «نادرًا ما كنتُ أحب»، فهل هذا يعني أن وقائع الحب التي تصورها عشرات القصائد الغزلية في دواوينه لم تكن سوى تخييل مموّه وجموح في التصوير ؟ ولكن.. هل يهمّنا حقاً –كقرّاء للشعر- التحقُّق من وقوع هذه الأحداث كما صوّرها الشعر؟مرةً بعد أخرى يتراءى الشعر أمامنا كأطياف قادمة من الزمن الآتي، وكأنما هو شيطان الإمكانات، إنه في الغالب ليس: ما حدث، بل: ما لم يحدث، وما كان يمكن أن يحدث، يمكن.. ولكنْ لسببٍ ما، لانكسارٍ ما، لانبهارٍ ما.. لم يحدث، ولأنه لم يحدث: يُولد الشعر؛ كتعويض فنّي عن التجربة المفقودة، وإعادة خلْق للحكاية الناقصة.