





مع الهدايات اليوسفية
32.2 ر.س
الحق عليه باقي 3 فقط - اطلبه الآن
تأليف متعب القحطاني
مع الهدايات اليوسفية نكات تدبرية - وملاح تربوية
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، القائل في محكم التنزيل: كِتَبُ أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ مُبَارَكُ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَرَ أُولُوا الْأَلْبَبِ ﴾ [ ص: ٢٩].
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهديه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، حثنا على طلب العلم، وجعل ذلك طريقا إلى الجنة فقال: من سلك طريقا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقا إلى الجنة». أما بعد:
فإن خير ما صرفت له الأوقات، وبذلت في تحصيله الساعات، وأفنيت فيه الأعمار وأعملت فيه الأفكار ، وأولى ما بذلت له الهمم، وأعظم ما سالت به الأقلام، وتناقله الأنام هو تدبر كلام رب العالمين.
فالقرآن الكريم هادي البشرية ومرشدها ونور الحياة، ودستورها، ما من شيء يحتاجه البشر إلا وبينه الله فيه نصا أو إشارة أو إيماءً، علمه من علمه، وجهله من جهله. ولذا اعتنى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبه من بعده بالقرآن تلاوة وحفظا وفهما وتدبرًا وعملا، وعلى ذلك سار سائر السلف الصالح رضوان الله عليهم.
وتدبر القرآن كما قال ابن القيم رحم الله: تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله»).
وقيل في معناه: «هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة» (٢).
والغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر، لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.
قال الحسن البصري رحمة الله: (والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرى له القرآن في خُلق ولا عمل». وقال ابن كثير رحم الله: يقول الله تعالى أمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ ) [النساء:۸۲]، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب»(4).
وروى ابن كثير عن ابن مسعود قال: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزل الله».
وقال ابن القيم رحم الله: «هجر القرآن أنواع ... الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه ).
وعندما تتدبر سورة يوسف وما فيها من معاني وتغوص في دلالاتها، تأخذك الدهشة، ويعتريك الانبهار لما ترى من الفوائد المتنوعة، والنكت العزيزة والفرائد الجميلة، فتنتقل من موقف تربوي إلى حكم فقهي ، أو حكمة ربانية، أو سنة كونية. وأصل مادة هذا الكتاب دروس كنت ألقيتها على جماعة مسجدي منذ سنوات، رجعت فيها إلى تفسير وكتب عدد من أهل العلم وانتخبت واخترت من كلامهم ما رأيت أنه يخدم فكرة التدبر لا التفسير، فللتفسير كتبه ومؤلفاته، وللبيان والأحكام أهله وفرسانه وإنما هي وقفات تربوية، وتوجيهات إيمانية وإشارات لغوية، قطفتها من بساتين العلماء، وحدائق النبلاء، وإن كان لي من عمل فهو الجمع والاختيار والترتيب، والاختيار كما قال عنه ابن الجوزي نعم الله في عبارته الشهيرة: «لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حسن الاختيار، وكما قال أبو إسحاق الحصري القيرواني ت ٤٥٣هـ) : وليس في تأليفه من الافتخار أكثر من حسن الاختيار، واختيار المرء قطعة من عقله، تدل على تخلفه أو فضله».
ومما دفعني لجمع هذه المادة ونشرها مع ضعف بضاعتي- هو قول ابن الجوزي رحمةالله : رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة، لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي تحصى ما خلقوا بعد !! ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم.
وليس المقصود جمع شيء كيف كان وإنما هي أسرار يُطلع الله عليها من شاء من عباده ويوفقه لكشفها، فيجمع ما مُزّق، أو يرتب ما شتت، أو يشرح أهمل ... هذا هو التصنيف المفيد.
وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛ لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال الحواس.
وأوصيك أيها القارئ الكريم بوصية أبي سليمان الخطابي رحم الله لما قال: وكل من عثر منه على حرف أو معنى يجب تغييره فنحن نناشد الله في إصلاحه وأداء حق النصيحة فيه، فإن الإنسان ضعيف لا يسلم من الخطا، إلا أن يعصمه الله بتوفيقه ونحن نسأل الله ذلك...».
وكما قال ابن قيم الجوزية رحم الله: «أيها القارئ له، ما وجدت من صواب وحق فاقبله، ولا تلتفت إلى قائله بل انظر إلى ما قال لا إلى من ،قال، وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال...».
وقد راجع هذا الكتاب نخبة من المشايخ وطلبة العلم الفضلاء، الذين أكرموني بملحوظاتهم، وسدادِ آرائهم وصواب ،استدراكاتهم جزاهم الله خيرا، ونفع بهم، وجعل ما قدموا في ميزان حسناتهم.
وأسال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينفع بهذا الكتاب وكاتبه وقارئه وناشره كما أسأله القبول والإخلاص، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
متعب بن عبد الله القحطاني
مكتبة دار ابن الجوزي للنشر و التوزيع أفضل متجر بيع للكتب العلمية طريقك للعلم والمعرفة
