حاشية المقنع 1/6 -سليمان التميمي النجدي
344ر.س
Product description
قال الشيخ علاء الدين المرداوي عن كتاب المقنع : «إِنَّهُ مِن أَعظَمِ الكتُبِ نفْعًا، وأكثرها جمعًا، وأوْضَحِها إشارةً، وأَسْلَها عِبارَةً، وَأَوْسَطِها حَجْمًا، وأغْزَرِها عِلْمًا، وأَحَسَنِها تَفْصِيلًا وتَفْرِيعًا، وأَجْمَعِها تَقْسِيمًا وتنويعًا، وأكملها ترتيبًا، وأَلْطَفِها تبويبًا، قد حَوَى غَالِبَ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ المَذْهَبِ، فَمَنْ حَصَّلَها فقَد ظَفِرَ بالكَنْزِ والْمَطْلَب، فَهُو كما قالَ مُصَنِّفُهُ فِيهِ: «جامعًا لأَكْثَرِ الأَحكَامِ». وَلَقَد صَدَقَ وبَرَّ ونَصَحَ، فَهُوَ الحَبْرُ الإِمامُ، فَإِنَّ مَن نَظَرَ فِيهِ بِعَينَي التَّحْقِيقِ والإِنْصَافِ، وَجدَ ما قالَ حَقًّا وافِيًا بالْمُرادِ مِن غير خلاف».
قالَ سَمَاحَةُ الشَّيخِ مُحمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ آلَ الشَّيخِ عِندَمَا طُبعَ فتاوه :«الحَاشِيَةُ هَذِهِ مُحَقَّقَةٌ أَنَّهَا لَهُ، وذلِكَ لِوُجُودِهَا بِقَلَمِهِ عِدَّةَ نُسَخ، ولا وُجِدَتْ بِقَلَمِ غَيْرِهِ، هُوَ يَنقُلُ عَلَى نُسَخِهِ ويُحَشِّي».
ويُفهَمُ مِن قَولِ سَماحَةِ الشَّيخِ : «لِوُجُودِهَا بِقَلَمِهِ عِدَّةَ نُسَخِ» :أَنَّ مُرادَهُ هذهِ الحاشِيَةُ التِي نَحنُ بصَدَدِ الحَدِيثِ عَنها؛ لأَنَّهَا هِيَ المَطبُوعَةُ فِي حَياتِهِ، وهي الَّتِي نَقَلَ عَنهَا فِي الفَتَاوَى.
كمَا يُفهَمُ مِن ذلِكَ أيضًا: أنَّ الشَّيخَ سُليمَانَ قَد نَسخَهَا بِيَدِهِ أَكثَرَ مِن مَرَّة.
كُلُّ ذلِكَ يَدُلُّ عَلَى بَالِغِ اهْتِمَامِ الشَّيخِ سُليمَانَ بِكِتَابِ «المُقنع» علَى وَجْهِ الخُصُوصِ، وَدِرَاسَتِهِ الدَّقِيقَةِ لَهُ.
قُلتُ: وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي تِلكَ الحَاشِيَتَينِ المَطبُوعَتَينِ، رَأَيْتُ دِقَّةَ ما سَطَّرَهُ الشَّيخُ عَلَى عِبارَاتِ «المُقنع»، وحُسن انتِقائِهِ فِي النَّقْلِ عَن شُروحِ أَئِمَّةِ المَذْهَبِ عَلَيْهِ، خُصُوصًا «الشَّرحَ الكبير»، و«المُبدِع»، و«الإنصاف»، بالإضافة إلى بَراعَتِهِ في تَنسِيقِ عِبارَاتِهِم عَلَى وَجْهِ الترتيب والاختِصَارِ البَدِيع، أو الاقتباس مِنهَا جَمِيعًا فِي تَعليق واحِدٍ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ التَّعلِيقَاتِ، يَعْتَرِفُ مِن كُلِّ غَرفَةً غَرفَةً.
كَمَا اختَصَّتِ الحاشِيَةُ الأَخِيرَةُ بالشَّمُولِيَّةِ، والرِّيَادَاتِ الكَثِيرَةِ عَنِ الحَاشِيَةِ الأُولَى، مِمَّا جَعَلَنِي أَسعَى جَاهِدًا للبحث عن أُصُولِهَا الخَطَّيَّةِ؛ لإخراجِهَا في طَبعَةٍ جَدِيدَةٍ تَليقُ بها وبمُؤلِّفِهَا رَحِمَهُ الله تعالى، فَيَسَّرَ اللهُ جَلَّ وعَلَا تلك النُسْخَتَينِ الخطِّيَّتَينِ اللَّتَينِ نَسَخَهُمَا التويجري للكِتَابِ، وهُمَا كَمَا تقدَّمَ أَصلُ تِلكَ الطَّبَعَةِ الَّتِي طُبِعَت في «المطبعة السلفية» عام (١٣٧٤هـ).
ثُمَّ إِنَّ مِمَّا يَحسُنُ ذِكرُهُ هُنَا: أَنَّ هذهِ الحاشِيَةَ امتازت في الجُملَةِ بعدَّةِ مِيزَاتٍ، يَتَّضِحُ مِن خِلَالِهَا المَنهج الَّذِي سَلَكَهُ الشَّيخُ في صياغتها، ويُمكننا تلخِيصُ أَبْرَزِهَا فِيمَا يَلِي:
أولا : اختصار الشيخ للتعليقاتِ المَنقُولَةِ عَن كُتُبِ الأَصْحَابِ اختِصَارًا بَدِيعًا، يُوفي بالمَقصُودِ، وَيُبِينُ المَعْنَى؛ إِذْ لَمْ يَكُنِ الشَّيخُ يَنقُلُ التَّعليق بتمَامِهِ، بَل يَلتَقِطُ أهَمَّ ما فِيهِ ويَنتَقِيهِ، بِمَهارَةٍ ودراية، وقَد نَصَّ على ذلِكَ الاختِصَارِ عِندَ بَعضِهَا بِقَولِهِ مَثَلًا: انتَهَى مُلخّصًا مِنَ «الشرح»، و«المبدع». ونَحوِ ذلِكَ مِنَ العباراتِ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ.
ثَانِيَا : عِنايَتُهُ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى جُلِّ مَسائِلِ الكِتَابِ، مِن نُصُوصِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، أو الإجماع، أو القِياسِ. وما لَم يَذكُر لَهَ دَليلًا فإنَّهُ يَلجَأُ إِلَى التَّعْلِيلِ، وأحيانًا يَجْمَعُ بينهما.
ثَالِثًا: ذكره بالتفصيل للرِّوَايَتَينِ المَنصُوصِ عَلَيْهِمَا إِجمالًا في المتن، ومَن قَالَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُمَا مِنَ الأَصْحَابِ، وَمَن رُوِيَت عنه مِنَ الصَّحابة ومن بعدهم، ومن قال بها مِن أَئِمَّةِ المَذاهب الأخرى، فيَنقُلُ مَثَلًا عَنِ «الإنصاف» الرِّوَايَةَ الأُولَى، ومَن قَالَ بِها مِنَ الأَصْحَابِ، ثُمَّ يَنتَقِلُ إلى «الشرح الكبير» لِيَذْكُرَ مَن قَالَ وَفَقَهَا مِن الصَّحابَةِ، أو من أئمة المذاهب الأُخرَى، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِندَ ذكرِهِ للرِّوَايَةِ الأُخرى.
رَابِعًا: تَعلِيقُهُ عَلَى غَالِبِ رُؤُوسِ مَسائِلِ المَتنِ، خُصُوصًا مَا يَرَى أَنَّهُ مُحتاج للتعليق والإيضاح.
خامسًا: ذكره للقول، أو الرواية، أَوِ الوَجْهِ الْآخَرِ الَّذِي لَم يَنْصَّ عليه في المتن، وذكر من قالَ بِهِ مِنَ الحنابِلَةِ وَغَيْرِهِم.
سَادِسًا: عِنايَتُهُ بالمُعتَمَدِ، أو الصَّحِيحِ، أَوِ الرَّاجِحِ فِي المَذْهَبِ مِنَ الروايَاتِ في المَسأَلَةِ المَذْكُورَةِ، فَيَنْصُّ على ذلِكَ بِقَولِهِ: «وَهُوَ المَذْهَبُ»، أو : «والصَّحِيحُ مِنَ المَذهَبِ»، أو: «والمذهَبُ كَذَا»، ونحوُهُ كَثِيرٌ جِدًّا، تارَةً يَنفَرِدُ هُوَ بالتصحيح، وتارَةً يَتبَعُ في ذلِكَ «الإنصَافَا» أَو غَيْرَهُ مِنَ المَصادِرِ.
سَابِعًا: عَدَمُ الإِسهَابِ والتوسع والاستطراد في إيضَاحِ العِبارَةِ؛ فقد كانت عِنايَتُهُ متَّجِهَةً لذكر أحكَامِ المَسائِلِ المَنصُوصِ عَلَيْهَا فِي المَتِنِ فحسب، على وجه الاختِصَارِ، دُونَ التَّعرُّض لشرح العبارة، أو بَيانِ معانيها، أو شُرُوطِهَا، أو قُيُودِهَا، أو مُحتَرَزَاتِهَا، أو تقاسيمِ المَسائِلِ وفُرُوعِهَا، ونحو ذلِكَ مِمَّا هُوَ صَنِيعُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهَاءِ فِي الكُتُبِ المطولات.
ثامنا: عنايته باختياراتِ الشَّيخِ تَقِي الدِّينِ، وإضافتها للتَّعْلِيقِ وَإِنْ لَم تكن في مَصْدَرِ النَّقلِ، فَمَثَلًا إِذَا كَانَ التَّعْلِيقُ مَنقُولًا عَنِ «المبدع»، ولَم يَنصَّ فِيهِ على أَنَّهُ مِن اختيار الشَّيخِ تَقيِّ الدِّينِ، تَجِدُ المُحَشِّيَ يَلْتَقِطُ اختيارَهُ مِنَ «الإِنصَافِ»، ويُدخِلُهُ ضِمنَ التَّعْلِيقِ.
تاسعا: سَلَكَ الشيخ في تَحشِيَتِهِ نَسَقًا وأُسلُوبًا وَاحِدًا لم يَتَبَايَنْ، مِن أوَّلِ الكِتَابِ حَتَّى نِهَايَتِهِ، كَمًّا وكَيْفِيَّةً.
عاشرًا: بَرَزَ جَليًّا في تعليقاتِ الحَاشِيَةِ نَفَسُ الفَقِيهِ المُحدِّثِ، الَّذِي يَحْرِصُ على ذِكرِ المَسأَلَةِ بدليلِهَا مِنَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ المُسنَدَةِ مَعَ ذِكرِ أحكام المُحدِّثِينَ عليها صِحَّةً وضَعْفًا.
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، هي أبرز ما رَأَيْتُهُ فِي هَذِهِ الحَاشِيَةِ مِن مِيزَاتِ وخصَائِصَ جَلِيلَةٍ، تُنبِئُ عَن فِقهِ عَمِيقٍ عِندَ ذلِكَ الشَّابّ المُحَدِّث، رحِمَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً واسِعَةً، وجمعنَا بِهِ فِي دَارِ كَرامَتِهِ.


