ابن حزم حياته وعصره آراؤه وفقهه - محمد أبو زهرة

35

غير متوفر حالياً

وصف المنتج

أما بعد: فقد وفقني المولى العليم الحكيم، فكتبت في الأئمة الأربعة المجمع على إمامتهم، والمتبعة طريقتهم في الاجتهاد والاستنباط، والمقتدى بهم من لم يبلغ شأو المجتهد، ولا غاية المقتصد، فرضي بالاتباع مع معرفة الدليل، أو التقليد من غير دليل.

ثم وفقني الله من بعد، فكتبت في إمام بلغ رتبة الاجتهاد، فاجتهد وتخير، وعاد بالفقه غض الإهاب رحيب الجناب، كما كان في عهده الأول، ولكنه في جملة ما اجتهد وبحث واستنبط لم يخرج عما وصل إليه الأئمة الأربعة إلا في القليل من مسائل الفقه، ولم يصل ما انفرد به إلى حد الكثير، وبعض هذا الذي انفرد به عن الأئمة الأربعة له أصل عند غيرهم كالإمامية، ذلكم هو الإمام تقي الدين بن تيمية.

وكان حقا علي إذا لاحظت سبق الزمان أن أسبقه بابن حزم، فهو يسبقه بثلاثة قرون إلا قليلا، ولكنا أخرنا القول فيه، لا لتأخير رتبته، وإنما أخرناه لأنه نوع آخر من الفقه، ليس من نوع ما جاء به الأربعة، وإن كان الأصل واحدا، فليس من لونه، وإن اتحد المعدن، وكلهم ملتمس من كتاب الله ﷻ وسنة رسوله ﷺ وكلهم وارد وردهما الصافي، الذي فيه الشفاء والرحمة للمؤمنين.

إن ابن حزم فقيه ظاهري، أحيا فقه داود الأصبهاني، وسلك به مسلكا اتسم بسمته فوسع رحابه وأيد فروعه بالأدلة، وناقض مخالفيه في أقوال صارمة. وجدل غلب فيه الإفحام والإلزام، وصال وجال وعاضد أقوال الظاهرية بأقوال بعض الأئمة إن وجد فيها نصيرًا، وأفاض في شرح فقه الصحابة والتابعين، وأخرج من ذلك كنوزا نافعة، وكشف عن معين لا ينضب ماؤه، ولا ينقطع ورَّداه، واستخرج من ذلك الخضم الزخار من الآثار السلفية نفائس انفرد باستخراجها وكشفها.

فكان لا بد بعد أن تكلمنا في فقه الأئمة الأربعة ومن قاربهم أن نتجه إليه؛ لنعرف ما جاء به، ولنبين النوع الذي أمد به ينابيع الفقه الإسلامي، واللون الذي اختص به من بين جمهورهم.

وإن ابن حزم - فوق أن فقهه لون من الاستنباط غير ما عليه الأئمة الأربعة، ومن قاربهم - هو في شخصه نوع منفرد بين الفقهاء، فهو الباحث والمحدث المجيد، وهو عالم الْمِلَل والنحل المجادل فيها الأريب، وهو الشاعر الناثر الذي يقارب بشعره فحول الشعراء، ويمتاز نثره الفني بالبراعة في المعنى، وجودة الخيال، ونصاعة اللفظ وإشراق الأسلوب، ويجمع فيما كتب من نثر فني بين جودة التعبير، وحسن التصوير، وسلامة المعنى وعمق التفكير، يصف خلجات النفوس ونبضات القلوب في عبارات فياضة بالأحاسيس وصور بيانية رائعة، حتى إنه ليعد في الصف الأول بين الناثرين، ولم يكن نثره ضجة ألفاظ، بل كان معنى جميلًا عميقا، في ديباجة أنيقة مشرقة.

وليس ابن حزم لونًا جديدًا في فقهه، وكونه أديب الفقهاء فقط، بل هو رجل من بلد كان فردوس زمانه في البلاد الإسلامية، ولا نملك منه الآن إلا الذكرى، إنه من الأندلس التي ما زال ذكرها يدمى القلوب، ويذهب بالنفس حسرات، وبشير العبرات ويلقي بالنفس المؤمنة أشد أنواع الحزن، إنها مأساة التاريخ الإسلامي.

ودراستنا لابن حزم، وقد سرنا وراء الفقه من المشرق إلى المغرب، هي تذكير بذلك الفقيد الحبيب، إقليم الأندلس الخصيب ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.