كفاية طالب البيان في شرح البرهان 1/5 - الشريف زكريا السبتي

315

غير متوفر حالياً

وصف المنتج

فإن علم أصول الفقه من أشرف العلوم التي دوّنها علماء الإسلام؛ لكونها دليلا موصلا لأحكام الله، وميزاناً لها، وأصلا من أصولها، وقد بين الإمام القرافي رَحِمَهُ اللهُ هذه المكانة بقوله: «لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة لا قليل ولا كثير، فإن كل حكم شرعي لا بد له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا حكم ولا سبب، فإن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده بمجرد الهوى خلاف الإجماع».

وقد نال الإمام الشافعي شرف انتساب هذا العلم إليه، وإن كان في الحقيقة ملحوظا وموجوداً عند غيره من الأئمة الأعلام، كالإمام مالك (۱۷۹هـ) والإمام أبي حنيفة وغيرهما من الأئمة، إلا أنه تصدى لجمع مادته، فقعد قواعده في كتاب مستقل سماه «الرسالة».

ثم توالى التأليف في هذا الفن؛ فألّفت فيه المؤلفات، ودوّنت فيه الكتب والمصنفات، فتمّ بذلك تأسيس هذا العلم حتى صار علما مستقلا بذاته، ومن أشهر من قام بذلك: الإمام أبو المعالي الجويني، وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته: مجموع «وكان من أحسن ما كتب فيه - يعني أصول الفقه المتكلمون، البرهان لإمام الحرمين، والمستصفى للغزالي، وكتاب العُمد لعبد الجبار، وكتاب المعتمد لأبي الحسين البصري، وكانت الأربعة قواعد الفن وأركانه».

وقد أسهم إمام الحرمين في تحرير قواعد هذا العلم، وإرساء أسسه النظرية ومسالكه المنهجية، وصنف فيه مصنفات صارت أصولا يدور حولها النقاش والتخريج والشرح والتدريس، ومن أجل كتبه البرهان.

وقد كانت العناية به واستظهار مسائله وحفظ نكته وتقريراته غاية الغايات في علم الأصول، فلذلك كان مقصودا بالشرح والإبانة، وفك ما استغلق من عباراته، وبيان ما انبهم من ألفاظه، خاصة وأنه وصف بلغز الأمة، كما ذكر ذلك ابن السبكي في الطبقات حيث قال: «اعلم أن هذا الكتاب - يعني البرهان - وضعه الإمام في أصول الفقه على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد، وأنا أسميه لغز الأمة؛ لما فيه مصاعب الأمور، وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقات يستبد بها، وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية».

ولهذا اعتنى به العلماء شرقا وغربا بين شارح له ومدرس ومختصر، ومن جملة هؤلاء: الإمام أبو عبد الله المازري في كتابه إيضاح المحصول من برهان الأصول، والإمام أبو الحسن ابن الحصار الإشبيلي الأندلسي في كتابه بيان البيان في شرح البرهان، والإمام الأبياري الصنهاجي المالكي شرحه في كتابه التحقيق والبيان في شرح البرهان.

ومن الأعلام الذين تولوا كذلك شرحه: الشيخ الشريف الحسني الإدريسي السبتي، (كان حيا في منتصف القرن السابع)، فقد أقام عليه شرحا نفيسا أسماه: كفاية طالب البيان في شرح البرهان؛ حيث فكّ مُغلقه وبين مراده بأسلوب علمي رصين، يبرز لنا مكانة الشريف في فن الأصول، وأنه أحد العلماء المبرزين في المنقول والمعقول، وهذا ما سنراه من خلال هذا العمل النفيس.

وقد كان الشيخ أبو يحيى زكريا الإدريسي السبتي المالكي الأشعري، أحد المؤلفين الذين ذكر اسمهم في المصنفات العلمية أكثر مما ذكر في كتب التراجم، فعلى الرغم من اشتهار كتبه ومؤلفاته، إلا أننا لم نجد له ترجمة في كتب الطبقات والتراجم، ولهذا فكل من يحاول التعريف بالشريف وحياته ونشأته تعترضه هذه الإشكالية، ولا يجد معلومات عنه أكثر مما أوردها لنفسه في كتبه أو مما نقله بعض النساخ، وقد حاولنا جاهدين جمع كل ما له علاقة بترجمته من مختلف كتبه ومصنفاته، كما استفدنا ممن سبقنا وترجم له، حتى يتم التعريف والكشف عن أحد أبرز أعلام الغرب الإسلامي في عصره.

وقد أخذ منا هذا العمل جهدا جهيداً ووقتا طويلا، لأن المخطوط صعب القراءة، ممتلئ المحو والخرم، وذو نسخة فريدة.


هذا العمل في الأصل رسالتان في سلك الدكتوراه.