الإسلام والسياسية في العصر الوسيط
64ر.س
وصف المنتج
تناول مفكرو العصر الوسيط الإشكالية السياسية من مداخل متباينة. فتقليد الآداب السلطانية اعتبر السياسة كما مُورست إفرازًا لا محيد عنه للأهواء الإنسانية، والسياسة من هذا المنظور هي مجال لتدبير هذه الأهواء وكبحها لتنظيم المجتمع الإنساني. بينما تأطرت نظرة الفقهاء معياريًّا بالنصوص الدينية، لكن إكراهات الواقع كثيرًا ما حتَّمت الانزياح في الحالات الاستثنائية عن المقاصد الدينية. أما الفلسفة السياسية فنظرت إلى المجال السياسي على ضوء العلوم الطبيعية الوسيطية، وحاول الفلاسفة المسلمون أن يجعلوا من "المدينة" كيانًا يحاكي نظام العالم. وبين النظرة المعيارية للفقهاء والمقاربة المثالية للفلاسفة، كانت الواقعية الخلدونية التي جاءت في لحظة تراجع الحضارة الإسلامية وبزوغ فجر النهضة الأوربية، فقدَّمت تصورًا اجتماعيًّا لتطور الدولة وأفولها. وقد شكَّلت هذه الرؤى الأربع (الآداب السلطانية، والسياسة الشرعية، والفلسفة السياسية، والنظرية الخلدونية) المادة الأساسية التي حاول الباحث مكرم عباس تحليل بُناها في كتابه "الإسلام والسياسة في العصر الوسيط".
ينطلق الباحث مكرم عباس في قراءته للتراث السياسي الذي تكوَّن من داخل الفكر الإسلامي من التفاعل مع مجمل النظريات التي أنتجتها السرديات الغربية، سواء من داخل الاستشراق أو علم الاجتماع السياسي. وقد قدَّم هذا الأخير، خاصةً مع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، تصنيفات لطبيعة الممارسة السياسية، حيث ميَّز بين الفعل السياسي في الغرب الحديث القائم على استقلالية القانون وعلمانيته وعقلنة البيروقراطية، ما جعله ينتزع شرعية سياسية حديثة، وبين شرعيات أخرى تقليدية محتكمة لرسوخ العرف أو كاريزماتية تعتقد في الفرد المخلِّص. فبخصوص الإسلام نظر فيبر إليه بوصفه كنيسة غير مرئية؛ إذ ثمة حسب قراءته تداخل صميميٌّ بين المكونين الديني والسياسي. ويرى الباحث في مقدمته أن هذا التنظير من ماكس فيبر قد وجَّه مجمل الدراسات اللاحقة عن السياسة والدين في الفكر الإسلامي، ويذكر مجموعةً من الأسماء، مثل: آن لامبتون، ولويس غارديه، وفون غرونباوم، وبرتراند بادي، وباتريشا كرون. ويخلص الباحث في حكمٍ مجملٍ إلى أن خصوصية التاريخ الأوروبي قد تحكَّمت بشكل كبير في قراءة تجربة التاريخ السياسي الإسلامي، فهي لا تفصل بين الذات والموضوع، بل تسقط ذاتها على الموضوع المدروس، يقول: "المشكلة التي تطرحها هذه الدراسات تتمثَّل في إسقاط شبكات تحليل جاهزة على ثقافة الإسلام. ثم السعي بعد ذلك إلى التحقُّق منها وإثباتها"[1].
ومن هنا يبدو أن الغاية من تأليف الكتاب هي إعادة النظر في مجمل هذه الأحكام، وما دامت الدراسات الاستشراقية كانت مُوجَّهةً بأفكار مُستقاة من المجال التداولي الغربي، فإن الباحث سيتوجَّه رأسًا إلى قراءة داخلية محايثة. إنه سينظر في الأدبيات التي تشكَّلت من داخل الفكر السياسي الإسلامي، وقد صنَّفها الباحث إلى ثلاثة أقسام: الآداب السلطانية، والسياسة الشرعية، والفلسفة السياسية. حيث يضفي على القسم الأول طابعًا تاريخيًّا، وعلى الثاني ملمحًا قانونيًّا، بينما يصنِّف الفلسفة السياسية في القول العلمي.

